ابن الجوزي
340
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
الحسين بن القاسم الكوكبي ، قال : حدّثنا أبو الفضل الربعي ، قال : حدثني أبي ، قال : بينا المنصور ذات يوم يخطب وقد علا بكاؤه إذ قام رجل ، فقال : يا وصاف تأمرنا بما تجتنبه ، وتنهى عما ترتكبه ، بنفسك فابدأ ثم بالناس . فنظر إليه المنصور ثم تأمله مليا ثم قطع الخطبة وقال : يا عبد الجبار خذه إليك ، فأخذه عبد الجبار وعاد إلى خطبته فأتمها [ 1 ] ، وقضى الصلاة ثم دخل ، ودعي بعبد الجبار فقال : ما فعل الرجل ؟ فقال : محبوس عندنا يا أمير المؤمنين ، قال : أمل له [ ثم اعرض له ] [ 2 ] بالدنيا فإن عزف عنها فلعمري إنه لمريد [ للآخرة ] [ 2 ] ، وإن كان كلامه ليقع موقعا حسنا ، وإن مال إلى الدنيا ورغب فيها إن لي فيه أدبا يزعه عن الوثوب على الخلفاء وطلب الدنيا بعمل الآخرة . فخرج عبد الجبار فدعا بالرجل ودعا بغذائه ، فقال [ له ] [ 2 ] : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : حق للَّه كان في عنقي فأديته إلى خليفته ، قال : إذا ، فكل ، قال : لا حاجة لي فيه ، قال : وما عليك من أكل الطعام إن كانت نيتك حسنة ، فدنا فأكل ، فلما أكل طمع فيه ، فتركه أياما ثم دعاه فقال : لهى عنك أمير المؤمنين وأنت محبوس ، فهل لك في جارية تؤنسك وتسكن إليها ؟ قال : ما أكره ذلك . فأعطاه جارية ، ثم أرسل إليه : هذا الطعام قد أكلت ، والجارية قد قبلت ، فهل لك في ثياب تكتسيها وتكسو عيالك إن كان لك عيال ، ونفقة تستعين بها على أمرك إلى أن يدعو بك أمير المؤمنين إن أردت الوسيلة عنده إذا ذكرك ، قال : وما هي ؟ قال : أوليك الحسبة والمظالم ، فتكون أحد عماله ، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر [ 3 ] ، قال : ما أكره ذلك . فولاه الحسبة والمظالم ، فلما أتى عليه شهر قال عبد الجبار للمنصور : الرجل الَّذي تكلم بما تكلم به فأمرت بحبسه قد أكل من طعام أمير المؤمنين ولبس من ثيابه ، وعاش في نعمته ، وصار أحد ولاته ، فإن أحب أمير المؤمنين أن أدخله عليه [ 4 ] في زي الشيعة فعلت . قال : فأدخله .
--> [ 1 ] في ت : « حتى أتمها » . [ 2 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل ، أوردناه من ت . [ 3 ] في الأصل : « تأمر بمعروف وتنهى بمنكر » . وما أوردناه من ت . [ 4 ] في الأصل : « أن أدخله إليه » .